الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
114
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المؤمنين وفريق من المنافقين أنفسهم مبثوثون بين المؤمنين لإلقاء الأراجيف والفتنة وهم الأكثر فكان اجتلاب حرف ( في ) إيفاء بحقّ هذا الإيجاز البديع ولأنّ ذلك هو الملائم لمحملي لفظ سَمَّاعُونَ فقد حصلت به فائدتان . وجملة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ تذييل قصد منه إعلام المسلمين بأنّ اللّه يعلم أحوال المنافقين الظالمين ليكونوا منهم على حذر ، وليتوسّموا فيهم ما وسمهم القرآن به ، وليعلموا أنّ الاستماع لهم هو ضرب من الظلم . والظلم هنا الكفر والشرك إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . [ 48 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 48 ] لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ ( 48 ) الجملة تعليل لقوله : يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [ التوبة : 47 ] لأنّها دليل بأنّ ذلك ديدن لهم من قبل ، إذ ابتغوا الفتنة للمسلمين وذلك يوم أحد إذ انخزل عبد اللّه بن أبي ابن سلول ومن معه من المنافقين بعد أن وصلوا إلى أحد ، وكانوا ثلث الجيش قصدوا إلقاء الخوف في نفوس المسلمين حين يرون انخزال بعض جيشهم وقال ابن جريج : الذين ابتغوا الفتنة اثنا عشر رجلا من المنافقين ، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم . و قَلَّبُوا بتشديد اللام مضاعف قلب المخفف ، والمضاعفة للدلالة على قوة الفعل . فيجوز أن يكون من قلب الشيء إذا تأمل باطنه وظاهره ليطّلع على دقائق صفاته فتكون المبالغة راجعة إلى الكمّ أي كثرة التقليب ، أي ترددوا آراءهم وأعلموا المكائد والحيل للإضرار بالنبيء صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين . ويجوز أن يكون قَلَّبُوا من قلب بمعنى فتّش وبحث ، استعير التقليب للبحث والتفتيش لمشابهة التفتيش للتقليب في الإحاطة بحال الشيء كقوله تعالى : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ [ الكهف : 42 ] فيكون المعنى ، أنّهم بحثوا وتجسّسوا للاطّلاع على شأن المسلمين وإخبار العدوّ به . واللام في قوله : لَكَ على هذين الوجهين لام العلّة ، أي لأجلك وهو مجمل يبيّنه قوله : لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ [ التوبة : 48 ] . فالمعنى اتّبعوا فتنة تظهر منك ، أي في أحوالك وفي أحوال المسلمين .